هل الشعر خارج تفضيلات دور النشر؟
[acf_content_blocks]
لماذا يرفض الناشرون الشعر؟
اهتمام دور النشر بالشعر قد يختلف مستوى اهتمام دور النشر بالشعر بناءً على حجمها ومواردها. بينما قد تكون دور النشر الكبيرة تركز على الروايات والأعمال التي تحقق مبيعات ضخمة لاسيما في الوقت الراهن، قد تخصص دور النشر الصغيرة أو المتخصصة جزءاً أكبر من مواردها للأعمال الشعرية.
سنستعرض في هذا التحقيق آراء مجموعة من الشعراء والناشرين لفهم الديناميات المتبادلة بينهم، ومعرفة ما إذا كان الشعر فعلاً خارج نطاق اهتمامات دور النشر ويرفضون نشره، أم أن هناك عوامل أخرى تؤثر على هذا المجال الأدبي الرفيع.
من جانبه يقول الشاعر الدكتور أحمد الجعفري، مدير النشر الأسبق بالمجلس الأعلى للثقافة، إن مزاج القارئ السردي يتعاظم على المزاج الوجداني، بمعني أن قراءة السرد أكثر جاذبية من قراءة الشعر، كما أن مناهج وطرائق الكتابة في السرد ينتج عنها جاذبية أكثر للقارئ، بينما يختلف طرائق ومناهج الكتابة الشعرية، بين حديثه وعموده ونثره وموزونه، و يعمل على التباين وشتات في مذاهب القراءة، كما هي في الكتابة، ومن هنا يقف الضمير المادي إن صح التعبير، للناشر فهو مقيد بمنتج اقتصادي توزيعي مما يدفع الناشر أن يميل إلى ما يفضله القارئ أو التقلي، وهذا يكون أكثر في السرد من الشعر، لذلك نجد أن الشاعر يحمل أوراقه وقصائده، ذاهبا إلى دور النشر، ليس ليجد من ينشر له، بل ليجد من يدفع له مبلغًا أقل كي ينشر ديوانه، فالشاعر يدفع على عكس كُتاب السرد محظوظون، لاسيما الكتابة الروائية؛ لأنهم قد يجدوا من يرحب بأعمالهم من الناشرين ودور النشر المختلفة، الذي سيتحمل العمل مهامه التوزيع، أما لاسم الكاتب أو لموهبته، بينما اسم الشاعر أو موهبته لا يكفيان لكي يغطي تكاليف النشر والتوزيع، وخسائره في حالة عدم التوزيع، المعضلة العصرية برئ منها الشاعر والكاتب.
وأنا لا أعتقد أن الناشر له دور في قلة نشر الشعر ، واعترف بانصراف القراء، عن الورقي منه أو من الإبداع، وأن هناك انصراف واضمحلال فهذا التراجع الحاد الحاصل في المقروء الورقي من سنن الكون.
أما الشاعر الدكتور أحمد نبوي أستاذ النقد الأدبي بجامعة الطائف، يقول إن دور النشر في مصر، تنقسم إلى خاصة ورسمية، ولكل منهما سياسة، ودور النشر الخاصة ينبغي أن تخدم الثقافة والنشر الجيد والارتقاء بالذوق العام، ولكن ماذا تنشر فهذه علامة استفهام.
و أنا لي دواوين ولم أنشر حتى الآن ديوانًا في مؤسسة ثقافية رسمية، وأنا الآن مغترب وهناك مؤسسات أخذت مني دواوين ولم تنشر، فالوضع منذ عشر سنوات كان أفضل، ولكن الآن لا يوجد دور نشر متخصصة إلا القليل، لأن هناك من يسرق المبدعين ويسرق تاريخ المبدع وليس هناك حقوق للمؤلف في مصر، وهذا واقع أليم، فخارج مصر أطبع كتبي ربما كل 6 أشهر وأتلقى مكافأة جيدة على طبع الكتاب.
ويقول الشاعر والناشر إسلام شمس الدين، صاحب ومدير مؤسسة شمس للنشر والإعلام، إن الشِّعر، هذا الفن الجميل الذي ظل قرونًا طويلة يشكِّل وجداننا ووعينا، وارتبط وثيقًا بمشاعرنا وأفكارنا ولحظاتنا الخاصة وتجاربنا الحياتية، أصبح الآن مجترأ عليه علانيةً تحت أنظار المؤسسات الثقافية العامة والخاصة على حد سواء، ولم يعد مثار استغراب أن نجد عضوًا معتمدًا في اتحاد كتاب مصر له (دواوين) تتضمن قصائد مسروقة أو سطحية أو تافهة أو مليئة بالأخطاء اللغوية الساذجة، لا فكرة ولا معنى ولا لُغة ولا بلاغة ولا موسيقى، فماذا ننتظر من رد فعل للناشر أو القارئ؟ بل وصل الأمر أننا لم نعد نستغرب أن يتم مناقشة مثل هذه الدواوين داخل قاعات الاتحاد أو مؤسسات وزارة الثقافة، بدعم وإشادة من نقاد كبار من المفترض أنهم حُماة الشعر والإبداع.
ونصل إلي السؤال الذي يحتاج تفصيل؛ هل المقصود أن الشعر خارج تفضيلات دور النشر والمتلقي؟ أم المقصود أن ما يُقدَّم حاليًا ويتم اعتماده – تزييفًا – على أنه شعر؛ خارج تفضيلات دور النشر والمتلقي؟
إن كان السؤال عن الشعر الحقيقي، فأقولها بكل ثقة: لا. الشعر ليس خارج التفضيلات، على العكس، هو محل إقبال وتقدير من الناشر والموزع والقارئ. ولازال له مكان ومكانة محترمة في المكتبة العربية، رغم الصعوبات الكثيرة في التوزيع والتسويق والترويج. والنماذج الناجحة كثيرة.
أما إن كان المقصود بالسؤال المعنى الثاني، فهؤلاء المدعون والمجترئون على الشعر؛ ليسوا خارج التفضيلات طالما سيدفعون تكاليف وأرباح النشر كاملة، أو أن لهم علاقات مع القائمين على النشر الحكومي والمؤسساتي، والنقاد والإعلاميين.
الشعر سيظل أبدًا ديوان الأمة ونبض المجتمع، ولا يعيبه اجتراء الكثيرين عليه، بل يعيب القائمين عليه من مؤسسات ونُقَّاد. وستظل موسيقى الشعر تصدح مهما تكالب عليها المُدَّعون، والمنتفعون.
ويروي الدكتور إيهاب عبد السلام الشاعر والناشر وصاحب دار الوفاق الحديثة للنشر، أن عندما صدر ديوان حافظ إبراهيم في بداية القرن الماضي، طلبه الشاب علي أحمد باكثير وكان لا يزال في حضرموت في جنوب اليمن، ويوم أن وصل الديوان ليده أقام وليمة كبيرة دعا إليها الأهل والأصدقاء احتفالا بوصول ديوان شاعر النيل إليهم؛ هكذا كان الاهتمام بشراء الدواوين وقراءتها ثم صرنا لما نحن عليه.
في الواقع ليس للناشرين تفضيلات نابعة من هوى أنفسهم، وإنما تفضيلاتهم تابعة لهوى القراء الذين يشترون المطبوعات، فليس لدى أي ناشر مانع من أن يطبع ما يباع طالما لا يخالف القانون.
والحقيقة أن الشعر افتقد قراءه وجمهوره بنسبة مرعبة لأسباب كثيرة تضافرت لتكوّن هذه الظاهرة اللافتة، بدأت هذه العوامل بالانجراف إلى الغموض الذي تحول للإبهام المغلق تحت اسم الحداثة الشعرية، مما جعل الجمهور يكوّن انطباعا واقتناعا أن الشعر كلام غير مفهوم.
أنا من جيل الثمانينات، وهذا الجيل شاهد على ذلك التحول من الوضوح إلى الغموض، فقد عاصرت بعض الشعراء الذين لم نفهم ما يقولون، وصادقت بعضهم، وقد سألت أحدهم مرة عن معنى كلمة في قصيدته لا أعرفها، وبذلك لم أفهم المعنى الذي يريده، فقال: هي تاريخ سنة كذا بلغة ليست عربية (وغير معروفة) فسألته عن دلالة التاريخ، فذكر حدثًا ليست له أهمية كبيرة، وقد كان في ذلك التاريخ، وهو يومئ إليه في قصيدته، فقلت: وهل يفهم الناس هذا..؟ فقال حرفيًّا: (ما هو أنا لازم أكون غامضًا).
وينتج عن هذا الإبهام أن افتقد الشعر جمهوره بالكلية، وأصبح لدينا أسماء شعراء كثيرين وليس لدينا شعر، هم لديهم شعر في تصورهم، لكننا لا نذكر لهم شعرًا، هذا مقابل في وقت من الأوقات كان لدينا شعر لا نذكر له شعراء، بل كان لدينا شعر لا يعرف كثيرون أنه شعر، وسأضرب لكم مثلا بعبارة يذكرها أطياف من الناس: (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) أعتقد أن من لا صلة لهم بالحقل الأدبي ولا علاقة لهم بالشعر يرددونها؛ ومع ذلك مَن الذي يعرف أنها بيت لشوقي على بحر الرمل في مسرحية مجنون ليلى؟
ومن سوء الحظ ومن نكد الدنيا على الشعر أنه بدأت بدائل القراءة من انتشار الفضائيات ثم طغيان الإنترنت وتطور الهواتف المحمولة في التيسر في كل يد، فما حاجة المهتمين في ظل ذلك كله لشراء ديوان شعر يمكنهم الاستماع إلى شاعره ذاته على اليوتيوب، يستدعونه مجانا في أي وقت؟!
[acf_post_footer]


